النويري

29

نهاية الأرب في فنون الأدب

نحوه سهما ، وقال : واللَّه لئن فعلت لتكونن آخر سلحة سلحتها . فقال أشعب للحسين : جعلت فداك ، أخذني القولنج « 1 » . وعنه قال : توضأ أشعب فغسل رجله اليسرى وترك اليمنى . فقيل له : لم تركت غسل اليمنى ؟ فقال : لأن النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « أمتي غرّ محجّلون من آثار الوضوء « 2 » » وأنا أحب أن أكون أغرّ محجّلا مطلق اليمين . وقال : سمع أشعب حبّى المدنيّة تقول : اللهم لا تمتنى حتى تغفر لي ذنوبي ؛ فقال لها : يا فاسقة ! أنت لم تسألى اللَّه تعالى المغفرة ، وإنما سألته عمر الأبد ! ( يريد : أن اللَّه لا يغفر لها أبدا ) . وقال الزبير بن بكَّار : كان أشعب يوما في المسجد يدعو ، وقد قبّض وجهه فصيّره كالصّبرة « 3 » المجموعة . فرآه عامر بن عبد اللَّه بن الزبير فحصبه وناداه : يا أشعب ، إنما أنت تناجى ربك فناجه بوجه طليق . قال : فأرخى لحييه حتى وقعا على زوره « 4 » . قال : فأعرض عنه ، وقال : ولا كلّ ذا . وقال مصعب : بلغ أشعب أنّ الغاضرىّ قد أخذ في مثل مذهبه ونوادره ، وأن جماعة استطابوه ؛ فرقبهم حتى علم أنه في مجلس من مجالس قريش يحادثهم ويضحكهم ، فصار إليهم ، ثم قال : قد بلغني انك قد نحوت نحوى ، وشغلت عنى من كان يألفنى ؛ فإن كنت مثلي فافعل كما أفعل . ثم غضّن وجهه وعرّضه وشنّجه ، حتى صار عرضه أكثر من طوله ، وصار في هيئة لم يعرفه أحد بها ، ثم أرسل

--> « 1 » القولنج ( بضم القاف وقد تفتح ، وبفتح اللام وقد تكسر ) : مرض معوى مؤلم يعسر معه خروج الثفل والريح . « 2 » الذي في الجامع الصغير : « أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء » . « 3 » كذا في الأغانى . والصبرة : المناسب من معانيها هنا أن تكون بالضم بمعنى الكومة المجتمعة من الطعام وغيره . وفي الأصول : « كالشعرة » . ولم نجد لها معنى مناسبا . « 4 » الزور : وسط الصدر .